Site icon المسار نيوز 24

%97 من المواطنين قد يصبحون تحت خط الفقر.. أين يتجه الاقتصاد الأفغاني؟

كابل- توجهنا إلى حي أفشار غربي كابل، أحد الأحياء الفقيرة، حاله لا تخطئه عين من يمر من أمامه، التقينا ببعض ساكنيه، فما من منزل دخلنا إليه إلا وكان الوضع المأساوي عنوانه. منازل تخلو أحيانا من أي طعام لأطفالها.

عبد الحميد محمد حسن –أحد ساكني هذا الحي نزح من ولاية هلمند جنوب البلاد بسبب الصراع قبل 13 سنة- يتحدث عن صعوبة توفير طعام وكساء ودواء لأولاده “ليس لدينا ما يكفي من مال لشراء ما يحتاجه أطفالنا من طعام وكساء، ولا نرى اهتماما كافيا، أحد أطفالي مريض وليس لدي مال لشراء دواء له أو لأخذه للمستشفى، أو حتى شراء طعام له”

ويضيف “منذ 20 يوما لم نأكل حتى البطاطس ناهيك عن اللحوم، الخبز الناشف طعامنا، مما نحصل عليه من الجيران والأهالي، وعندما جاءت مساعدات البنك الدولي واتحاد الصليب الأحمر ومعونات من الدول العربية لم نستلم إلا كميات قليلة من الزيت والحبوب والطحين ولا شيء آخر”.

وتشير تقارير أممية إلى أن ما بين 22 و28 مليون شخص في أفغانستان بحاجة إلى معونات عاجلة، أي أنهم بلا أمن غذائي، وهذه أرقام يسهل على أي متجول في أي ولاية أفغانية التصديق بها.

ارتفاع نسبة الفقر

وقد حذر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن 97% من الأفغان سيصبحون تحت خط الفقر منتصف العام الجاري، ما لم يحدث ما يخالف توقعات البرنامج، أو ربما تزداد الأمور تعقيدا وتدهورا.

وعندما يستقرئ الباحث المعلومات المتعلقة بالفقر في أفغانستان؛ فإنها تبدو للوهلة الأولى متباينة، لكن بعد البحث والتدقيق تظهر الصور بشكل أوضح بأن نسبة الفقر في أفغانستان قد تضاعفت ووصلت إلى مستويات جعلتها “أفقر دولة في قارة آسيا”، وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومن بين الأفقر في العالم أيضا.

لكن هذا الواقع ليس وليد اللحظة أو الأشهر القليلة الماضية، فخلال السنوات الـ15 الماضية، تظافرت عديد العوامل حتى وصل الحال إلى هذا الوضع، بجانب المشكلات الاقتصادية التي أعقبت التغيير السياسي بالبلاد في أغسطس/آب الماضي وساهمت في تعميق الفقر ومنها وقف المساعدات وتجميد الأموال.

ويشير التقرير الأممي المذكور إلى أن نسب الفقر كانت بين عامي 2007 و2008 عند 34%، وارتفعت إلى 55% عام 2017، ثم إلى 47% في 2019 قبل أن ترتفع إلى 70% حاليا، مع توقعات بأن تبلغ 97% منتصف يوليو/تموز المقبل، في أعقاب التحول السياسي وانكماش الاقتصاد في كابل وولايات أفغانستان.

 لا تتخلوا عن أفغانستان في محنتها

حاورت الجزيرة نت آخيم شتاينر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال زيارته إلى كابل مؤخرا، حيث قال إن أي شخص يعيش في أفغانستان يمكن أن يلحظ أن الفقر والوضع الاقتصادي بشكل عام قد تدهور أكثر، والناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة تتراوح ما بين 20 و30%، وقدرة المواطنين على العيش والحصول على دخل وشراء ما يسد رمقهم تزداد صعوبة”.

وأضاف أن “عدد الأفغان الذين يعتمدون على المعونات يتزايد، ويمكن معرفة ذلك إذا ما زرنا أي مستشفى ولاحظنا عدد الأطفال الذين يعانون من سوء أو نقص التغذية، إنه وضع فظيع، وهذا الوضع بحاجة إلى عون إنساني طارئ، وكذلك برنامج تعافي اقتصادي عاجل، لأنه في نهاية المطاف لا يمكن إعانة نحو 40 مليون نسمة من الأفغان بمعونات آنية فقط، فهناك حاجة أيضا لإحياء مصادر دخلهم وأن يستثمر فيما ينهض بمستقبل بلدهم”.

وتابع شتاينر أن هناك إشكالات تعتري النظام المالي في البلاد الذي يعاني كثيرا، بما في ذلك المصارف التجارية. والمصرف المركزي لا يقوم بوظائفه بالشكل المطلوب، والإشكالات في حركة الأموال أيضا.

واستطرد “توقعاتنا بأنه إن لم تعالج هذه الاتجاهات الاقتصادية، على المدى القريب، والتي جاءت كلها بعد فترة وباء كورونا، وجفاف أثر على محصول المنتجات الزراعية في البلاد، فإننا سنرى واقعا سيعيش فيه أكثر من 60% من الشعب الأفغاني تحت خط الفقر أواخر هذا العام، وهو توقع مخيف”.

الحاجة إلى مساعدات نقدية لتحريك الاقتصاد

لعل من أسباب عدم تغير الأحوال المعيشية للأفغان خلال السنوات الماضية ما أشار إليه مسح صادر عن منظمة الهجرة الدولية، من أن 69% من المعونات التي تقدم للأفغان تأتي في شكل عون غذائي عاجل، وهو ما يكون دائما حصة غذائية فيها شيء من الزيت والطحين أو الأرز والسكر وما شابه، مما يستهلك آنيا ولا يحدث تغييرا في حالة الفقير المستلم لذلك العون.

وتعليقا على ذلك يقول عبد الفتاح جواد رئيس مؤسسة إحساس الخيرية للخدمات الاجتماعية -التي تنشط بالعمل الإنساني في أفغانستان منذ 11 عاما- إن الشعب الأفغاني بحاجة إلى صنفين من المساعدات، العاجلة لحل مشاكلهم، ثم مساعدات مستدامة تمكنهم من الاكتفاء الذاتي لأن المساعدات الغذائية العاجلة لا تفي بالغرض.

“فينبغي أن يتم تقديم العون إليهم في مجال تطوير الاقتصاد بهدف أن تحيي مصادر إيراداتهم في مجال الزراعة والثروة الحيوانية، على سبيل المثال، لأن الأفغان لديهم خبرة كافية في هذين المجالين ومساعدة يسيرة ستعينهم في النهوض في هذا الجانب، عبر تنفيذ مشاريع صغيرة في قطاع الثروة الحيوانية والزراعة”.

ويضيف عبد الفتاح جواد -في حديثه للجزيرة نت خلال برنامج توزيع معونات عينية في ولاية بروان شمال كابل- “هناك ولايات حدودية مع دول الجوار ما يجعلها اقتصاديا متصلة بسوق الأعمال وتعتبر مراكز تجارية، وفي المقابل هناك ولايات لا تجاور دول الجوار كما أنها بعيدة عن الولايات التي تعتبر مراكز تجارية في البلاد، إضافة إلى معاناتها من مشاكل العبور بسبب بعد المسافة، وفيها تسود موجة الفقر بشكل كبير، ونسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية تزداد مع مرور كل يوم فيها”.

ومن أجل تحريك الاقتصاد المحلي يقترح عبد الفتاح جواد أن يتم شراء المعونات من الأسواق المحلية، لا أن تستورد، ويقول إن “جزءا من المساعدات لأفغانستان ينبغي أن يكون نقديا لأن الأفغان بحاجة إلى السيولة النقدية، فالمواد الغذائية هنا في أفغانستان تتوفر بكثرة، وعلى هذا الأساس فالمساعدة النقدية هي في الحقيقة دعم للاقتصاد المحلي”.

ويتابع “هنا الناس لا يملكون السيولة النقدية والمشاريع التجارية، وقد توقفت مصانع كثيرة عن العمل بسبب عدم قدرة الناس على الشراء وغيرها وعلى هذا الأساس فمن المهم أن يتم تقدم المساعدات النقدية إلى الأفغان حتى يقضوا بها حوائجهم بشكل جيد”.

أزمة اقتصادية ليست وليدة اللحظة

ويقول الدكتور خيبر خيشكي أستاذ الاقتصاد في جامعة سلام في كابل إن ” الأزمة الاقتصادية الحالية ليست وليدة لحظة أو ناتجة عن التطورات السياسية في 15 أغسطس/آب الماضي فقط، فالفقر كان موجودا منذ سنوات وفق تقارير نشرتها مؤسسات دولية متعددة”.

ويضيف للجزيرة نت “شهدنا تحولا سياسيا كبيرا في البلاد في الآونة الأخيرة، وعلى إثرها أغلقت البنوك وتوقفت الأنظمة المالية، وفرضت عقوبات على الحكومة الجديدة (حكومة طالبان)، فخرج النظام المالي عن العمل، وأغلقت المؤسسات الاقتصادية”.

ويتابع خيشكي “الاقتصاد الأفغاني يعتمد في الأساس على القطاع الخاص ودعم الجهات المانحة، والمشكلة الأساسية التي نواجهها منذ القدم هي عدم وجود إستراتيجية اقتصادية فعالة، ولا شك أن أفغانستان تُعتبر منذ البداية دولة مستوردة ولم تكن لديها إستراتيجية اقتصادية جيدة كما أن اعتمادنا بشكل كبير كان على الدعم الخارجي، مما أدى إلى عدم قدرتنا على ترسيخ إستراتيجية اقتصادية قوية حتى نتمكن من القضاء على الفقر”.

ويستطرد “هذا الأمر أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 96% بعد توقف دعم الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها عقب انسحابهم من أفغانستان. تلاحظون تأثيرات ذلك في القطاعات المختلفة لا سيما القطاع الخاص الذي يواجه مشاكل أساسية”.

إنفاق عسكري أكثر من كونه تنمويا

ويقول خشكي “أفغانستان لم تحظ باستقرار سياسي في غضون 20 سنة مضت، فمنذ 2001 وحتى 2021 شهدت حروبا، والتكلفة شهرية لهذه الحروب بلغت 350 مليون دولار أميركي، وهذا يعني أن 70% -بل أكثر هذه الأموال- كانت تنفق في الحروب وفي العمليات العسكرية، ونسبة قليلة جدا منها تذهب إلى التنمية والتوسعة”.

ويضيف “عندما نتحدث عن ميزانية أفغانستان، فإنها تتشكل من ميزانية مخصصة للتنمية وميزانية عادية. و70% من الميزانية العادية كانت تعتمد في الأساس على المساعدات الخارجية، كما أن الإحصائية الدقيقة في 2020 تبرز أن 80% إلى 85% من هذه الميزانية كانت قد ذهبت إلى العمليات العسكرية والحروب و25% منها في الجوانب الأخرى. أما الجانب الأساسي من القطاع الخاص الأفغاني وهو الزراعة والمعادن فلم (يحظ) باستثمار مناسب فيه مع الأسف”.

 

 

أما شتاينر فيرى أنه لا يمكن فصل الواقع الاقتصادي عن المشهد السياسي، فـ”الواقع السياسي معقد جدا. القيادة في أفغانستان لم يعترف بها كحكومة للبلاد دوليا بعد، وهذا يجعل العلاقات بين أفغانستان والمجتمع الدولي معقدة للغاية، لكن هذا مما تتعامل معه الأمم المتحدة بحضورها القوي في أفغانستان، بوكالاتها وبرامجها، لبناء الجسور في حالة من الطوارئ، ومناشدتها للعالم بألا يتخلوا عن الشعب الأفغاني، في ظل أحوال صعبة لعشرات الملايين من الناس”.

ويضيف “لا يمكن تحمل استمرار الانهيار الاقتصادي هذا، فهذه ليست مأساة إنسانية بل هي مأساة لأفغانستان من زاوية استقلاليتها واعتمادها على ذاتها تنمويا لسنوات قادمة، والقيام بأي جهد سينقذ حياة الناس وينهض بمعيشتهم، ولهذا فإننا خلال خطابنا للمجتمع الدولي -رغم حدوث أزمات أخرى في نفس الوقت- نؤكد على ضرورة عدم التخلي عن أفغانستان”.

التخطي إلى شريط الأدوات